عبد الله بن أحمد النسفي
191
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 61 إلى 62 ] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 61 ) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 ) 61 - وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ الأذن الرجل الذي يصدّق كلّ ما يسمع ويقبل قول كلّ أحد ، سمّي بالجارحة التي هي آلة السّماع كأن جملته أذن سامعة ، وإيذاؤهم له هو قولهم فيه هو أذن قصدوا به المذمّة ، وأنه من أهل سلامة القلوب والعزّة « 1 » ، ففسره اللّه تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال : قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ كقولك رجل صدق تريد الجودة والصلاح ، كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن ، ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحقّ وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك ، ثمّ فسّر كونه أذن خير بأنه يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي يصدّق باللّه لما قام عنده من الأدلة وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ويقبل من المؤمنين الخلّص من المهاجرين والأنصار ، وعدّي فعل الإيمان بالباء إلى اللّه لأنه قصد به التصديق باللّه الذي هو ضدّ الكفر به ، وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد السماع من المؤمنين وأن يسلّم لهم ما يقولونه ويصدّقه لكونهم صادقين عنده ، ألا ترى إلى قوله : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا « 2 » كيف ينبو عن الباء وَرَحْمَةٌ « 3 » بالعطف على أذن ، ورحمة حمزة عطف على خير ، أي هو أذن خير وأذن رحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي وهو رحمة للذين آمنوا منكم ، أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ، أو هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدارين . 62 - يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ الخطاب للمسلمين ، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم ، فقيل لهم وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحقّ من أرضيتم اللّه ورسوله بالطاعة والوفاق ، وإنما وحّد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا اللّه ورضا رسول اللّه
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) الغرة . وهي الغفلة . ( 2 ) يوسف ، 12 / 17 . ( 3 ) أي بالرفع .